ولــقـد بعــثـنا فـي كـل أمــة رســولاً أن اعـبـدوا الله واجـتـنبوا الطــاغــوت
- إصــدارات -
الـمـركز الإسـلامـي للـثقافـة
___شهاب للعلم - الناصرة ___


مطويات ->مفهوم الوطنية في الإسلام

الحمد لله قاذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق والصلاة والسلام على رسول الله  أما بعد :

إنَّ الأسلام أظهر الاهتمام الكبير في الذود عن حرمات أوطان المسلمين وأمصارهم بشكل عام فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأرض الرباط وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس والتي فيها الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى.. ولماذا كل هذا ..؟!

نقول: لأن في ضياع حرمات الأوطان ضياع لجميع الحقوق والحرمات الأخرى؛ كالدين، والعرض، والنفس، والمال وغيرها .. ومن لوازم الحفاظ على هذه الحرمات ـ الذي جاء الدين لحمايتها والحفاظ عليها ـ الحفاظ على حرمات الأوطان وأمنها وسلامتها .. فالأوطان هي المحاضن الآمنة لكل ما يتواجد عليها من أشياء .. من هنا جاء الإسلام ليؤكد على ضرورة حماية أوطان المسلمين من أي اعتداء خارجي كان أم داخلي .. والذود عنها بالغالي والنفيس .. وكيفما كانت صورة الاعتداء ..

ولكن هناك فرق بين حب الأوطان والحنين إليها وهو مشروع، وبين أن يعقد الولاء والبراء على أساس الانتماء لهذه الأوطان، وهذا لا يشرع لما يتضمن من إشراك الأوطان مع الله تعالى كما سيظهر.

إنَّ الولاء الوطني أو انعقاد الولاء والبراء على أساس الانتماء الوطني لا يرضى الله به..

وهذا الولاء لا نعني به حب الأوطان مسقط الرأس، والحنين إليها .. فهذا وارد لا خلاف عليه، قد دلت السنة عليه كما في قول النبي e عن مكة لما أخرجه المشركون منها: « إنك لأحب أرض الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك لما خرجت ».

هذا المعنى حق ومشروع وهو غير معني من حديثنا.. وإنما نعني الوجه الآخر للولاء الوطني السائد في الأمصار والمعمول به في جميع الأنظمة والدساتير المعاصرة، وصِفته: أن تُعقد الموالاة والمعاداة .. والحقوق والواجبات بين العباد على أساس انتمائهم للحدود الجغرافية للوطن الذي ينتسبون إليه؛ حيث لا فرق بين الكافر والمؤمن .. وبين أهل ملل الكفر والزندقة كلها وأهل ملة الإسلام في الموالاة والمعاداة .. والحقوق والواجبات .. ما دام الجميع ينتمون إلى وطن واحد، وبقعة جغرافية واحدة.

وهذه النظرة للوطنية المعمول بها ـ في جميع أمصار المسلمين ـ تغيب الولاء والبراء على أساس الانتماء للعقيدة أو الدين .. أو أساس التقوى وأيهم أحسن عملاً وخُلقاً .. وتحتم على المسلمين أن يوالوا أفجر وأكفر أهل الأرض.. ويمنحوه من الحقوق والواجبات .. كما يوالون أتقى وأصلح أهل الأرض .. ويمنحونه من الحقوق والواجبات.. ما دام هذا الكافر الفاجر وهذا التقي الصالح يجمعهما وطن واحد .. وحدود قطر واحد!

وهي تحتم كذلك أن من كان يعيش خارج هذه الحدود الجغرافية للقطر أو ينتمي إلى غيره من الأقطار .. ولو كان أتقى أهل الأرض وأصلحهم .. فإنه  لا يُعطى أدنى الحقوق والموالاة التي يُعطاها أكفر وأفجر من يعيش ضمن تلك الحدود الجغرافية للقطر أو ينتمي إليه ..! 

فالوطن بهذا المفهوم الشائع .. والمعمول به في أكثر الأمصار .. وثن يُعبد من دون الله .. يُعقد فيه الولاء والبراء .. والحب والبغض .. والسلم والحرب .. وقد بلغ ببعض دعاة الوطنية مبلغاً أن ينسبوا الربوبية صراحة لهذه الأوطان .. ويصرفوا إليها صنوفاً عديدة من التنسك والعبادات !!

فانظر مثلاً ماذا يقول أحمد محرم المصري في وطنه مصر:

فإن يسألوا ما حُبَّ مصرَ فإنه 

دمي وفؤادي والجوانح والصدرُ

أخافُ وأرجو، وهي جَهدُ مخافتي

ومرمى رجائي، لا خفاءُ ولا نُكرُ

هي العيشُ والموتُ المبغَّضُ والغنى

لأبنائها والفقرُ والأمن والذُعـرُ

هي القدرُ الجاري هي السخطُ والرضى

هي الدينُ والدنيا هي الناس والدهرُ

بذلك آمنا، فيا من يلومنا

لنا في الهوى إيماننا ولك الكـفرُ !!

          ويقول شوقي كذلك:

ويا وطني لقيتُكَ بعد يأسٍ ... كأني لقيتُ بك الشبـابا

وكلُّ مسافرٍ سيئوبُ يوماً ... إذا رُزقَ السلامة والإيابا

ولو أني دُعيتُ لكنتَ ديني ... عليه أُقابلُ الحتمَ المُجابا

أدير إليك وجهي قبل البيتِ .. إذا فُهتُ الشهادة والمتابا

نقول: هذه القدسية والعبودية للأوطان ـ التي هي شرك أكبر ـ قد انعكست على أخلاق الناس، وعقائدهم، وأفكارهم، وسلوكياتهم .. حتى أننا نجد من المستساغ جداً أن يقول أحدهم عن نفسه: أجاهد وأقاتل في سبيل الوطن .. أموت في سبيل الوطن .. أتبرع بمالي وأبنائي في سبيل الوطن .. أضحي بكل شيء في سبيل الوطن.. الوطن غالي يستحق منا كل غالٍ ونفيس .. فكل شيء في سبيل الوطن يرخص ويهون .. ويقصد من وطنه تلك الحدود الجغرافية للإقليم التي ينتمي إليها .. فإذا كان وطنه هذا بسلام .. فعلى بقية أوطان وأمصار الإسلام الأخرى السلام .. فهي لا تعني له بشيء .. المهم عنده وطنه .. فوطنه حفظه الله وحماه .. وبقية أوطان المسلمين فلعنة الله عليها !!

وهذه السياسة: بل قل هذه العقيدة الوثنية في عبادة الاوطان وتمجيدها .. نجدها مكرسة في جميع قوانين ودساتير الأنظمة العربية المعاصرة .. حيث ما من دستور إلا ويُقصر أصحابه على الدفاع عن حدود إقليمهم ووطنهم فقط .. مهما أصاب أمصار المسلمين وأقاليمهم الأخرى من دمار أو هلاك أو اعتداء .. فهذا لا يعنيهم في شيء .. ودستورهم لا يلزمهم بالدفاع عنها..كما هو حاصل في موقفهم من فلسطين .. والشيشان..وأفغانستان..وكشمير..والفلبين..وارتيريا.. والسودان.. وغيرها الكثير الكثير من أمصار المسلمين التي تواجه اعتداء صريحاً من قبل أعداء الإسلام!

فباسم الوطن والوطنية والولاء الوطني .. مزقوا البلاد إلى أوطان وأوطان .. ورسموا لكل وطن حدوداً وشعاراً..وألفوا له نشيداً وطنياً يحفظونه الأبناء والأجيال ليتغنوا به دون سواه .. ففرقوا بذلك بين الأخوة المسلمين إلى دويلات ممسوخة ومتفرقة .. وولاءات متضاربة متناحرة متنافرة .. لا تزيد أمة الإسلام إلا ضعفاً واحتقاراً وازدراءً في أعين أعدائها .. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!

ــ مفهوم الوطنية في الإسلام ـــ

الوطن في نظر الإسلام هو الوطن الذي يخضع لسلطانه وأحكامه؛ فأيما وطن خضع لسلطان الإسلام وأحكامه وعقيدته  ـ يوماً من الأيام ـ فهو وطن الإسلام ..!

هو الوطن الذي يتسع اتساع وانتشار العقيدة الإسلامية في ربوع الأرض والبلاد .. فحيثما يهيمن الإسلام وتكون الكلمة له .. فهو حينئذٍ وطن للإسلام والمسلمين.

وكل إنسان يخضع لسلطة وأحكام هذا الوطن الإسلامي ـ بما فيهم أهل الذمة ـ فهو المواطن الذي يُعطى حقوق وواجبات المواطنة .. على ضوء التفصيلات المبينة في الفقه الإسلامي ذات العلاقة بالموضوع.

فهذا الوطن بمواصفاته الآنفة الذكر هو وطن كل مسلم في العالم على اختلاف جنسياتهم وألوانهم ولغاتهم .. لهم فيه كامل الحقوق والواجبات!

وهو الوطن الذي يجب الدفاع عنه ـ بكل غالٍ ونفيس ـ وحراسته من أي خطر يتهدده مادياً كان أم معنوياً ..

هذه هي نظرة الإسلام للوطنية .. وهذا هو الوطن الإسلامي الذي تجب موالاته ونصرته والذود عنه.

ــ الولاء القومي ـــ

وهو الولاء الذي ينعقد على أساس الانتماء القومي .. والروابط القومية التي تقوم على عناصر وأسس وهي: الجنس، والتاريخ، واللغة، والمصالح المشتركة، والأرض كالقومية العربية، والقومية الفرنسية، والقومية التركية.. ونحوها من القوميات المنتشرة في العالم.

وملاحظ أن هذا النوع من الولاء ـ كغيره من الروابط والولاءات  التي تقدم الحديث عنها ـ يغيب عنصر الدين والعقيدة من جملة اعتباراته .. حيث لا فرق في نظر القومية والقوميين بين اليهودي، والمجوسي، والباطنيين الغلاة وغيرهم من ملل الكفر والشرك والإلحاد وبين المسلم الموحد ما دام كلاهما ينتميان إلى قومية واحدة..! بل الكافر المشرك الملحد من أبناء القومية له من الحقوق والموالاة ما ليس لأتقى أهل الأرض من المسلمين الذي لا ينتمي لنفس هذه القومية ..!

فمثلاً العربي المشرك الملحد ـ من أي ملة كان ـ الذي ينتمي للقومية العربية له من الموالاة والحقوق ما ليس للمسلم الموحد الباكستاني الذي لا ينتمي إلى القومية العربية..؟!! فالقومية ـ بهذا المفهوم الشائع والمعمول به ـ هي كفر؛ لأنها توجب ما حرم الله تعالى وتحرم ما أوجب .. وهي من جملة الروابط الجاهلية التي حذر الإسلام منها أشد التحذير، فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. قال ابن عباس: لا أرى أحداً يعمل بهذه الآية:{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى ..} فيقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك .. فليس أحد أكرم من أحدٍ إلا بتقوى الله.

وقال تعالى:{ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }. وفي الحديث فقد صح عن النبي e  أنه قال:« إن الله قد أذهب عنكم عُبيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن ». وقال e:« من ادعى دعوى الجاهلية فإنه جثا جهنم ـ أي من جماعات جهنم ـ فقال رجل: يا رسول الله: وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله التي سماكم: المسلمين، المؤمنين، عباد الله ».

وقال :« ليس منّا من دعا بدعوى الجاهلية ». وكل دعوى غير دعوى الإسلام فهي دعوى جاهلية .. وكل آصرة أو رابطة تقوم على غير آصرة العقيدة والدين .. آصرة التقوى والعمل الصالح .. فهي آصرة جاهلية نتنة يجب نبذها والترفع عنها.

وقال e:« إن أوليائي منكم المتقون، مَن كانوا وحيث كانوا ». أي من أي جنسية أو قومية كانوا .. ومن أي مكانٍ كانوا .. وفي أي أرضٍ عاشوا .. فأحبهم لنبينا  وللمؤمنين هم المتقون الصالحون .. هذا هو ميزان الحق الذي لا يُحابي أحداً، وما سواه فهو الباطل. 

وقال e:« لا فضل لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربي، ولا أبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب ».

نفي جاء بعده استثناء يُفيد قمة الحصر والقصر .. أي لا فضل لشيء على شيء .. ولا تفاضل بين الأشياء..إلا بالتقوى!

فالحديث يلغي جميع صور التفضل القومية .. وغيرها من الصور والموازين الجاهلية السائدة بين بني البشر .. ليحصرها في صورة واحدة؛ ألا وهي صورة التقوى والعمل الصالح .. وأيكم أحسن عملاً...

وبعد:فيا أهلنا المرابطين في ارض الرباط وأرض الأقصى والمسرى .. إنَّ واقعنا اليوم بما فيه من ظلم وأذى ومصادرة للأرض وتعدياً على العرض .. يحتاج منّا أن نقرأ السطور بترتيبها الصحيح لنصل إلى الحقيقة الواحدة أن الأسلام هو مصدر عزّتنا وقوتنا ووحدتنا، وهو المبدأ الوحيد وألأوحد الذي يُعيد لنا سؤددنا ويعيد لنا أرضنا ويعيد الحق لأهله...وما تسلط علينا المتسلطون وتكبر علينا أهل الصَّغار فأفسدوا العباد والبلاد .. إلّا بعد أن نسينا الله فأنسانا أنفسنا.. فعشنا في تيه الضلال والهوان واعتلت فوق رؤسنا غمامة الذل والإنكسار... ولن تُرفع عنّا هذه الغمامة إلا بعد أن نُعاود ديننا عقيدةً ومنهاجاً وسلوكا ووحدةً للكلمة على كلمة التوحيد.. وها هو البعد القومي العربي المتمثل بالجامعة العربية التي أسسها إيدن البرطاني يظهر بحقيقته العاجزة وبصورته المهينة التي لا تستحق إلّا لعائن الله والناس اجمعين ..

يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله


العودة إلى أول الصفحة

بيت المقدس - الناصرة
1425 هـ

الصفحةالرئيسة
أخـبــار
مجـلـة الأنصـار
بـيــانــات
معالم من فلسطين المــســلـمة
إصــدارات
مــقـالات
مؤلــفـات
هـذه عقيـدتـنـا
إتــصـل بـنـا